المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف الشيخ إبراهيم جواد

المقايسات والمفاضلات بين أنواع العبادات

صورة
يقع الكلام أحياناً في المفاضلة بين العبادات والأعمال الصالحة، وأيهما أفضل، وأيهما أرجح، والحال أنّ معظم ما يُعتمد عليه في هذا الباب لا يُعوّل عليه لتوليد نتيجة يُطمئنُّ إليها، وحتى الروايات الشريفة لا تصلح كمعيار قطعيّ للخروج بنتيجة حاسمة في هذا الجانب لا لشكٍّ في صدورها بل لأن كثيراً من الأعمال التي ورد المدح فيها بوصف «أفعل» التفضيل من قبيل:  (أفضل الأعمال..) (أحبُّ الأعمال..) (ما عُبدَ الله بمثل كذا..) لا يمكن الجمع بينها إلا على نحو حملها على كونها كلها في المرتبة العليا ، ولكن أيها المقدّم وأيها المتأخر؟! الجزمُ بذلك في أغلب الموارد صعبٌ جداً بحسب ما يتوفر لدينا من الأدلة. كما أنه يُحتمل أنّ التفضيل الوارد في جملة من الأخبار ناظرٌ إلى حال المخاطَب المفرَد بعينه ، لا إلى حقيقة العمل في نفس الأمر والواقع، وقد يكون بلحاظ الباعث الخارجي الذي يؤكّد على ضرورة الإكثار من هذا العمل ، كأن يكون الفقر شائعاً فيحثّ الإمام (عليه السلام) بصيغة المبالغة بقوله: (أفضل الأعمال الصدقة) ، وقد يكون التقصير في الجانب الروحي بين المؤمنين رائجاً فيقول: (أحب الأعمال إلى الله الدعاء) ، وقد يكون الإسلا...

أزمة الإحصائيّات العشوائيّة عند هواة الإعلام

صورة
من باب المقدّمة، ينبغي أن يُعلم أنّ الاختلاف العلميّ داخل أروقة الحوزة العلميّة أمرٌ معهودٌ، والردود والنقاشات لا زالت دائرة بين أهل العلم منذ القرون الأولى، فليس في هذا الأمر أيّ حرجٍ، ولكن المؤاخذة الشديدة التي جاءت في سياق الردّ على مرجع العلمانيّة والحداثة السيّد كمال الحيدريّ تركّزت على أمرين: ١. عدم الدقّة في نسبة الأقوال إلى أصحابها، ولا سيّما مع تكرر ذلك. ٢. توظيف البحث العلميّ في فضاءٍ مشبوهٍ يساهم في إثارة التوتّر المذهبيّ. والمسألة الأولى هي محلّ الكلام، فإنّ نسبة الأقوال إلى أصحابها بشكل مغلوط وتكرار ذلك في أكثر من مكان ومناسبة يوحي بالعناد والإصرار على الخطأ مع وضوح حقيقته عند كلّ منصفٍ، وهذا يجعل لنا الحقّ في التشكيك في صِدق المنقولات ومدى دقّتها ومطابقتها للواقع ، وينبغي أن يشكّل دافعاً للمستمعين نحو البحث والتحرّي ولو بالاستعانة بأهل العلم الموثوق بأمانتهم ودقّتهم. ومن مظاهر عدم دقّة هذا الرجل في دعاواه التي يطلقها أينما حلّ تكراره التعبير بـ(الكثير من..) أو نسبة ٩٩% انتصاراً للرأي الذي يريد تثبيته، ومن شاء فليراجع دروسه الموجودة في موقعه الإلكترونيّ. والحال أنّ إطلاق...

فوائد حول التراث الإسلاميّ: أهميّة التخريج والعزو إلى المصادر بدقّة

صورة
يُعدّ تخريج المصادر من أهمّ وظائف المؤلّف أو المحقق لأيّ متن تراثيّ في أيّ علمٍ من العلوم المختلفة، وله فوائد جمّة، منها: ١. استشكاف مدى دقّة المؤلف في نقولاته عن الآخرين. ٢. تعزيز استشهاد المؤلف بالشواهد المدعّمة لاستدلاله. ٣. خدمة القرّاء والباحثين بالوقوف على مصادر الفكرة المطروحة أو أدلّتها. ورغم ما لهذا الأمر من أهميّة وحاجةٍ إلى الدقّة، إلّا أنّنا نُفاجئ بما يقومُ به بعض المؤلفين أو المحققين من إخراج للمصادر في هوامش البحث أو التحقيق بشكل مستهجن ، فتجدُ أنّ بعضهم يتعاملُ مع التخريج على أنّه "الإتيان بأيّ مصدرٍ للحديث أو القول المنقول" دونَ أيّ مراعاةٍ للأقدميّة، أو يقوم بالتكرار غير النّافع والتطويل المُملّ. أما بالنسبة لعدم مراعاة الأقدميّة: فلا يخفى أنّ الأولويّة في التخريج للمصادر الأكثر قِدماً، وأنّ النقل عن كتب متأخّرة جداً مع وجود المصدر الأقدم أو المصدر الأصل ينبغي أن يُعَدَّ نقصاً وقصوراً في العمل. مثلاً: لو حقّقَ باحثٌ كتاباً نحوياً، وقد ذكرَ فيه المؤلّفُ قولاً لسيبويه، وكان هذا القول المنقول عن سيبويه موجودًا في كتابه (الكتاب)، فهل يصحُّ من المؤل...

نقض دعوى «الإيمان بالغيب في مأزق»!

صورة
ترافقُ الجدل المعرفيّ والفكريّ مع حدوث الأزمات البشريّة الكبرى أمرٌ معهودٌ، إذ لكل حادثةٍ مؤثّرةٍ في الاجتماع البشريّ انعكاس على كافة الأصعدة، ومما ترافق مع أزمة انتشار الوباء العالميّ صخبٌ كبيرٌ حول مسائل تتعلق بالإيمان بالله والغيب، وكان من المُفترض أن تُطرح تساؤلات جادّة تثير جدلاً فكرياً مبنياً على أصول علميّة، وأنّ يكون المتصدي لمثل هذه الأطروحات عارفاً بالجهة المقابلة ومبانيها وأفكارها، وحيثُ إننا في زمن الانهيار الفكريّ والابتذال المعرفيّ لم يظهر لنا سوى المزيدُ من السطحيّة والضحالة، وكان أقصى ما جاء به أولئك هو التشكيك في جدوى الدعاء، والتشكيك في الاعتقاد بالأولياء وأضرحتهم المقدّسة، وذلك بطرح أفكار تم تجاوزها قبل قرونٍ طويلةٍ، وقد قطعت هذه المسألة شوطاً طويلاً من البيان والبرهان والتأصيل العلميّ، وتبيّن لنا أنّ تلك الفئة التي تدّعي تنوير الأذهان لم تقف على شيء في فهم حكمة الدعاء والاستشفاء بالغيبيّات، بل أقول أكثر من ذلك: إنّ هؤلاء لم يفقهوا الرؤية الدينيّة في بيان فلسفة الوجود الإنسانيّ على الأرض وطبيعة المسيرة التي حدّدها اللهُ للإنسان . والمثير للتعجّب أنّهم تصوّروا أ...

لماذا اختار النبي (ص) إعلان الولاية في «غدير خم» دون «جبل عرفات»؟

صورة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين، أما بعد:- ممّا يُطرح بهدف التشكيك في دلالة حديث الغدير سؤالٌ حول ترجيح مكان إعلان الولاية في غدير خم دون جبل عرفات في موسم الحجّ، وفي ذلك يقال: لو كان حديث الغدير يدل على الإمامة لكان إعلانه في يوم عرفة أولى؛ وذلك لأن حشود المسلمين كانت أكثر عدداً هناك، بينما عند رجوع النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة المنورة، وتوقفه في «غدير خم» قلّت أعداد المرافقين للركب النبويّ، فلو كان الأمر يعم المسلمين لكان إعلامهم به في يوم عرفة أولى. وفي مقام الإجابة على هذا السؤال نقول: إن قراءة التاريخ تحتاج إلى إلمامٍ بالأبعاد المختلفة في طيّات الأحداث، ومعرفة طبيعة المؤثّرات ودورها في صناعة السلوك السياسيّ والإداريّ، فليس الأمر مقدَّراً بهذا النحو من التبسيط الساذج، حتى تكون معادلة رياضية مجرد عامل حاسم في اختيار السلوك، فعالم السياسة لا يُدار بالأرقام فقط، بل تُلحظ فيه جوانب كثيرة، ينظر إليها المدبّر، ويراعي التوازنا...

فضائل وخصال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الأحاديث المعتبرة

صورة
تعجزُ الأقلام حقّاً عن إحصاء فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو إمام الموحدين، وسيّد المؤمنين، وخير البرية أجمعين، الذي أقام أعواد منابر الإسلام بسيفه، وضرب بعمله الصالح أروع أمثلة الزهد والتقوى، وهو في العِلم سابقُ العالمين، وفي العبادة قد سادَ العابدين، وفي التجافي عن دار الغرور قد أتعبَ من بعده إذ طلّقها إلى الأبد حينَ رآها كالحيّة ليِّنٌ مسها قاتلٌ سمُّها، .. وفي المقام نذكرُ جملةً من الأخبار التي تشيرُ إلى بعض خصاله الرفيعة، فهذه الأخبارُ تبيّنُ: 1. عظمة جهاده بين يديّ رسول الله (صلى الله عليه وآله). 2. تأييد الله له في الحرب بجبرائيل وميكائيل عن يمينه ويساره. 3. أنّه كان منصوراً دائماً بمددِ الله وعونه وتأييده. 4. كان سابقاً مرتفعَ المقام، لا يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، لا في علم ولا عملٍ. 5. أنّه استشهد وتركَ تركةً تقدّر بـ700 درهم فقط. وهذا الخبر معتبرٌ بلا ريب، قد أقرّ بذلك أهل التحقيق، فهو مما صحّت طرقه عند أهل السنة والشيعة الإماميّة معاً، فضلاً عن كثرة طرقه الموجبة للقطع بصدوره. أولاً: روى ثقة الإسلام الكليني بسندٍ صحيحٍ: (محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد؛ ...

«بيني وبين الله»..

صورة
رُبما يُحسن الإنسانُ تزيين بعض باطله بحُجج لها صورة البُرهان أو ما يُقارب حدود الإقناع عند المُستمع، وقد ينجحُ في ذلك، ولكن الإنسان بأيّ حالٍ مسؤول أمام الله - تبارك وتعالى - عن الحُجج الموضوعيّة الواقعيّة، لا عمّا يصطنعه ويقدّمه على أنّه حجّة يتعبّد بها بينه وبين الله مهما كان زيفُها، وهنا تتمثل قيمة الصدق القلبيّ، إذ لا يمكن أن يخدعَ أحدٌ ربّه ليقولَ له: (هذا ما توصّلت إليه بيني وبين الله) ، في حين أنّ الله مُطّلعٌ على السرائر، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصّدور، ومن هنا: ينبغي للإنسان العامل على تهذيب نفسه أن يسدّ منافذَ الشيطان، وأن لا يوسوسَ إليه بالباطل بما يزينه من براهين أو حجج أو أعذار، فإنّها عند ربّ العالمين الذي له الحُجّة البالغة لا تساوي شيئاً، وسرعانَ ما تذوبُ ذوبان الثّلج، وإلَّا فمن يقدرُ على محاججة علّام الغيوب؟ وهل تنفعُ معه الجدالات والصراخ وانتظروا بحثي مولانا فسوف يأتي، وووإلخ. هذا كلّه لا ينفع، وإنما المنفعةُ في البراءة أمام الله في قصد الحقّ وطلبه، والخلوص في انتقاء البراهين النافذة والحجج الصحيحة، فحينها ربما يغفرُ الله لنا إن زللنا أو أخطأنا، وإلّا...

هويّة مذهب الإمام الصادق (عليه السلام)..*

صورة
من يُطالع التراث العلمي عند أهل السنة يجدُ كثيراً من العلماء الذين أطروا وأثنوا على الإمام الصادق (عليه السلام) ووصفوه بالوثاقة، وفي الدراسات المتأخرة، نجدُ تلهُّفاً وحماساً كبيراً لإثبات «سنيّة» الإمام الصادق (عليه السلام) ، وأنه كان ملتزماً طريقتهم، وهذا ما يقطع الطريقَ أمام الخصم التقليدي وهم الشيعة الذين ينتسبون إليه، وبما أنّ الفريقين يدعيان انتساباً، ينبغي للباحث أن ينظر في ما عند الطرفين بنحوٍ يحقق في أدلة النسبة بطريقة علمية، ومن خلال مطالعة متتبعة للكتابات السنية حول الإمام الصادق (عليه السلام)، يمكن أن نطرح بعض الملاحظات: • يخلص القارئ من ملاحظة التوثيق والإشادة بعلم الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أنه في رتبة أعاظم أهل السنة من قبيل مالك وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وشعبة بن الحجاج وغيرهم ممن في هذه الرُتب العالية، وفي نفس الوقت لا نكادُ نجدُ للإمام حضوراً لائقاً بمقامه عندهم، وهذا بحد ذاته يستدعي تساؤلاً. تذكرُ الباحثة لطيفة الهادي في دراسة ماجستير لها حول الإمام الصادق عندهم، أن عدد مروياته (٢٣٦) رواية، على هذا النحو من التقسيم: الصحيح: (٧١). الحسن: (٨٢). ...

كلامٌ حول حديث «المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة»

صورة
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قرأت كلاما للشيخ حيدر حب الله في كتاب دراسات في الفقه الاسلامي المعاصر الجزء الثالث، صفحة ٥٠٧. وكان بصدد الكلام عن الامارات التي تكشف وضع الحديث فذكر منها ورود اصطلاحات غريبة متأخرة عن زمن النص ومثّل لذلك برواية. انقل لكم في المرفق ادناه كلامه بنصه. فهل ما ذُكر تام أم هو قابل للعلاج؟ تحياتي لكم. مرفق: نص كلام الشيخ حيدر حب الله: (... ومثال ذلك، التعبير الوارد في كلام الإمام علي (عليه السلام) في رواية مرسلة عن المرأة بأنها: "ريحانة وليست بقهرمانة" [١٠٠]، فقد قيل بأنّ كلمة: "قهرمانة" كلمة تركية، واللغة التركية لم تغزُ اللغة العربية إلا في القرن الثاني الهجري، فكيف يقف الإمام علي قبل عام 40هـ لقول هذه الكلمة دون أن يسأله أحدٌ عنها؟! ...). الجواب: إنّ الأمارة المشار إليها في الكلام تشكِّلُ قرينةً قويَّةً لاكتشاف الحديث الموضوع، وهي سليمة بلا إشكال، وقد أشرتُ إلى تطبيقها من قبل عند الكلام حول الحديث المروي عن كميل بن زياد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) والمعروف بحديث الحقيقة، فراجعه. أما التطبيق المشار إليه فغير...

بشارة السماء (٤): طول عمر الإمام (عج)

صورة
السؤال: سمعت مقطعاً للشيخ المغامسي على اليوتيوب، يقول فيه: بحكم العقل لا يمكننا أن ننكر طول عمر المهدي، لكن هذا يحتاج إلى دليل خاص به، أخرجنا الدجال بدليل خاص، وأخرجنا إبليس بدليل خاص، وأخرجنا المسيح بدليل خاص، ولا يوجد لدينا دليل واحد نخرج به المهدي. الجواب: يمكن إثبات وجود الإمام المهديّ (عليه السلام) حياً في زماننا هذا من خلال عدة مسالك، أذكر منها: المسلك الأول: بالنقاش في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذ إن إمامة ووجود صاحب الزمان (عليه السلام) فرعٌ عن أصلٍ، وتثبيت إمامة آبائه يُفضي إلى الإذعان بإمامته. المسلك الثاني: من خلال نظرةٍ جامعةٍ لبعض الأحاديث الصحيحة في كتب أهل السنة والجماعة يمكن استنباط ضرورة وجود أئمة من قريش تبقى إمامتهم إلى يوم القيامة، وتفصيل الأحاديث المنظورة كالتالي: ١. حديث الاثني عشر خليفة كلهم من قريش، وقد أشرتُ إلى صحته في مقالٍ سابق. ٢. حديث آخر ولفظه: (الخلافة في قريش إلى قيام الساعة) رواه ابن أبي عاصم في السنة، وقال الألباني: (إسناده جيّد). ٣. حديث آخر ولفظه: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان)، رواه مسلم في صحيحه،...

بشارة السماء (٣): الامتداد التاريخي للنَّص على الإمام الثاني عشر في كتب الشيعة

صورة
بعد أن أشرنا إلى حضور حديث الخلفاء الاثني عشر في كتب أهل السنة قبل ولادة الإمام الثاني عشر، ينبغي أن نشيرَ إلى وجود روايات النص في كتب الشيعة في القرن الأوّل والثاني، أي قبل وقوع زمن الغيبة بسنوات طويلة، فنقول: من المعروف أنّ أصحاب الأئمة (عليهم السلام) قد دوّنوا كثيراً من الأحاديث في مصنّفاتهم، وتراكمت هذه المصنّفات حتى اجتمعت عند العلماء وعُرِفَتْ لاحقاً باسم (الأصول الأربعمائة)، وتشكل هذه الأصول محور التراث الشيعيّ بشكل أساسي. والتجوّل في جُملتها يكشفُ عن الأسس العقائديّة والفكريّة التي مثّلت المذهب الشيعيّ، ومن المؤسف أنّ غالبية نسخ هذه الأصول لم تصلنا، حيث أدرجوا معظمها في الكتب الأربعة فقلَّ الاعتناء بها بعد تدوين الكتب الأربعة من قِبل المحمّدين الثلاثة، إلا أنّه يمكن استشكاف بعض مرويّات هذه الأصول بطرقٍ لا يهمنا بحثها الآن، وإن كان تطبيقها على الكتب المعنية بنصوص الإمامة مهم في هذا الباب، إلا أننا نرجئه إلى مقام آخر. والذي يهمّنا في المقام، هو استشكاف النّظرة الإجماليّة للاعتقاد بالإمامة في هذه الكتب التي دوّنت خلال قرنين، والثابت من خلال كلمات العلماء والمتكلّمين ...

بشارة السماء (٢): الامتداد التاريخي لنصوص الإمامة

صورة
يعتبرُ بعض المشككين في نصوص إمامة الإمام الثاني عشر أن فكرة النص على اثني عشر إمام من جملة مخترعات زمن الغيبة، ومع أن هؤلاء لا يقدِّمون دليلاً واقعيَّاً محكماً على ذلك الادّعاء، نراهم يجازفون بإطلاق النتائج، وقبل الحديث عن نصوص الإمامة والغيبة وامتدادها التاريخي في كتب الشيعة في القرون الأولى، ينبغي أن نلقي نظرة مختصرة على أجواء الحديث في كتب أهل السنة، فنقول: مما لا شك فيه أن حُفَّاظ الحديث من أهل السنة قد دوّنوا في كتبهم حديث النبي (صلى الله عليه وآله) في النص على أن الخلفاء اثنا عشر، كلهم من قريش، وهنا ملاحظات جديرة بالاهتمام: ١. إن هذا النص قد روي في كتب سنيّة قد أُلّفت قبل ولادة الإمام الثاني عشر، فقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو داود وُلد سنة (١٣٣ هجرية) أي في زمن الصادق (عليه السلام)، ومات سنة (٢٠٤ هجرية) أي في بداية زمن إمامة الجواد (عليه السلام). وروى الحديث علي بن الجعد في مسنده، وعلي مات سنة (٢٣٣ هجرية) أي قبل زمن الغيبة بما يقارب (٢٧) سنة، مع التنبيه على أنه لم يكتب المسند في آخر سنة من عمره. وروى الحديث أيضاً أحمد بن حنبل، الذي ولد سنة (١٦٤ هجرية...

بشارة السماء (1): المهدوية ومنهج الإشكال العلمي

صورة
عبر قرون متمادية، طرحت الفرق المخالفة للتشيع إشكالات كثيرة على الاعتقاد بالإمام الثاني عشر، ولا ينبغي أن يكون كم الإشكالات مفاجئاً للناظر، فالمسألة ليست بالكمّ، وإنما في الكيف ومدى ملاءمة المنهج العلمي الذي تنبسط من خلاله وتتفرع منه. والبديهي أن ليس كل هذه الإشكالات على ذات النسق من الجديّة والاهتمام، فالتساؤلات حول الأصل العقلي للإمامة أو الامتداد التاريخي لهذا الاعتقاد ربما تكون تساؤلات جادة، ولكن أن يتناول مسلمٌ مسألة طول عمر الإمام كإشكالٍ جاد فهنا تبدو العبثيّة في أجلى صورها، أو أن ينظر الباحث إلى الواقع ثم يحاول تصوير الفكرة المخالفة على أنها منقوضة به دون وجود دليل يرجّح، فهذا عبث أيضاً، ومنه ينكشف أن هذا المتكلم لا يملك سوى الادعاء وهو سهل! صناعة الإشكال ينبغي أن تكون منطلقة من الأصل العلمي المحكَم، لا بممارسة العبث وفرض استحسانات ظنية، فعلى سبيل المثال: إن فكرة «المُخَلِّص» موجودة في الأديان السابقة. فهنا تجد العبثي يطرح إشكالاً استحسانياً وهو أن فكرة المهدي مجرد إرث من خرافات الحضارات السابقة. هل ترى هذا دليلاً؟! هل مجرد توغل الفكرة في التاريخ البشري يلازم كونها خر...

في تشيعك لآل محمد: كُن أبا سهل، ولا تكن شلمغانيّاً

صورة
من المفارقات في سيرة أصحاب الأئمة عليهم السلام أنّ بعضهم كان يرى طاعته للإمام طاعةً محضةً لله، وبعضهم كان يرى في مرافقة الإمام سبيلاً إلى الدنيا. حين نُصِب السفير الثالث للإمام الحجة عجل الله فرجه (الحسين بن روح النوبختي) تفاجأ بعض الشيعة، إذ كانوا يظنون أن أمر السفارة لا ينزوي عن أبي سهل النوبختي؛ لأنه الأكثر أهلية بنظرهم، فسُئلَ ذات يومٍ: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: «هم أعلم وما اختاروه»، أي أنّه فوّضَ أمر حركته وخدمته للدين بما يحكم به الإمام من آل محمد عليهم السلام، وأنه لا يقول شيئاً في قباله؛ لأنه يعلم أن ما يفعله الإمام فهو في صلاح حاله. أما الشلمغاني، فقد كان فقيهاً من كبار فقهاء الشيعة، حتى أنّ كتابه «التكليف» كان في معظم بيوت الشيعة، ولكنه كان يرى في الارتباط بالإمام وكتابة العلم سبيلاً إلى الدنيا، ويرى الإمامة من منظور الوكالة والسفارة وقبض الأخماس والتشريفات فقط، فخسر دنياه بمجرد أن سقطَ في امتحان التسليم وصار يترقى في مراتب الضلال حتّى هلك. والمعنى: عليك بالإخلاص في تشيعك، ولا تجعله مادةً للمساومة بيعاً وشراءً، فما أكث...